الشيخ محمد رشيد رضا

340

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الانسان مجبورا في صورة مختار ، والآخرون يخالفونهم ، فندع أمثال هذه المباحث الجدلية لا بني بجدتها الرازي والزمخشري ، ونختم تفسير هذه الآيات ببيان حكمة اللّه تعالى في خلق إبليس وذريته الشياطين ، وكشف شبهة المستشكلين له ولخلق الانسان مستعدا لقبول اغوائه فإنها مما يحتاج اليه هنا حتى على القول بأن السياق كله لبيان حقيقة التكوين . حكمة خلق اللّه الخلق واستعداد الشيطان والبشر للشر اعلم أن الحكمة العليا لخلق جميع المخلوقات هي أن يتجلى بها الرب الخالق لها بما هو متصف به من صفات الكمال - ليعرف ويعبد ، ويشكر ويحمد ، ويحكم ويجزي فيعدل ، ويغفر ويعفو ويرحم ، الخ فهي مظهر أسمائه وصفاته ، ومجلى سننه وآياته ، وترجمان حمده وشكره ، ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) لذلك كانت في غاية الاحكام والنظام ، الدالين على العلم والحكمة والمشيئة والاختيار ، ووحدانية الذات والصفات والافعال ، ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) كما نطق الآن . الخير كله بيديه ، والشر ليس اليه ، كما ورد في الحديث . بل ليس في خلقه ما هو شر محض في نفسه ، وانما الشر أمر اعتباري مداره على ما يؤلم الاحياء أو تفوت به مصلحة أو منفعة على أحد منهم فيكون شرا له ان لم يترتب على ذلك منفعة أعظم ، أو دفع مفسدة أكبر ، فان الانسان قد يتألم من الدواء الذي يزيل مرضه الذي هو أشد أو أطول ايلاما منه ، وقد تفوته منفعة صغيرة يكون فوتها سببا لمنفعة أكبر منها ، كالذي يبذل ماله في المصلحة العامة لملته ووطنه فيكرم ويكون قدوة في الخير ، وحظه من كرامة الأمة وعمران الوطن أعظم مما بذل من المال ، وفوق ذلك من يجاهد بنفسه وماله في سبيل اللّه وهي سبيل الحق والخير وسعادة الدارين ابتغاء مرضاته والزلفى عنده وقد كان من مقتضى تحقق معاني أسماء اللّه الحسنى وصفاته العلى أن يخلق ما علمنا وما لم نعلم من أنواع المخلوقات ، وأن تكون المقابلات والنسب بين بعضها مختلفة من توافق وتباين وتضاد ، ويترتب على ذلك في نظام الخلق ان الضد يظهر حسنه الضد ، وأن تكون مصائب قوم عند قوم فوائد ، وان يسيء بعضهم إلى نفسه أو إلى غيره ، وأن يكون بعضهم مفطورا على طاعة ربه ، دائبا على عبادته وحمده وشكره ، وان يكون بعضهم مختارا في عمله مستعدا للاضداد في ميله وطبعه ، يتنازعه عاملا الكفر والشكر ، وتشتبه عليه حقيقتا التوحيد والشرك ، وتتجاذبه داعيتا الفجور والبر ، فيكون لشكره وبره وطاعته لربه من عظم الشأن مع معارضة الموانع ما ليس